البوم الصور

  • ninepal
  • bbc biased
  • bbc biased
  • 10th Palestine Day يوم فلسطين العاشر
  • demon

Developed in conjunction with Eco-Joom.com

انضم القائمة البريدية

مرئية المنتدى

مظاهره حاشدة لنصرة غزة

palhistory


نبدأ في هذه الحلقة بنشر دراسة المؤرخ والمفكر الفلسطيني د. ماهر الشريف التي يتناول فيها تاريخ فلسطين على امتداد العصور

    الخطاب المهيمن للدراسات  التوراتية متورط في عملية تجريد الفلسطينيين من ماضيهم وأرضهم بتكراره المستمر عددًا من الادّعاءات التي تربط الماضي بالحاضر. فالإصرار على الاستمرارية بين الماضي والحاضر لا يُنظر إليه إلا في إطار الاستمرارية بين إسرائيل التي حكمها داود ودولة إسرائيل المعاصرة" وفي إطار الزعم بأزلية الحركة الصهيونية


    سكان فلسطين أخذوا في تزايد مستمر، وأصبحوا يطوّرون في مواقعهم السكنية تدريجيًا حتى أصبحت مدنًا محصنة ذات طابع مستقل. ويلاحظ انتشار المدن المحصنة هذه في جميع المناطق الفلسطينية، وغدت تمثّل وحدات سياسية مستقلة أشبه بدويلات المدن التي يتبعها عدد من القرى الزراعية. وتتميز هذه المرحلة باستعمال عجلة الفخار على نطاق واسع



يواجه الباحث صعوبات كبيرة في كتابة تاريخ فلسطين القديم وذلك لعدة أسباب. فقد سيطر التاريخ الحديث والمعاصر على حقول الدراسات التاريخية المتعلقة بفلسطين، واستحوذت شؤون النضال ضد الصهيونية، بعد نشوء هوية فلسطينية حديثة وبروز مطلب تقرير المصير، على اهتمام القسم الأكبر من المؤرخين العرب والفلسطينيين. وهكذا، ظل تاريخ فلسطين القديم حكرًا على الباحثين الغربيين، الذين اهتموا- كما يلاحظ معاوية إبراهيم- بدراسة تاريخ فلسطين من جميع النواحي الأثرية والاجتماعية واللغوية وغيرها، وتوالت رحلاتهم الاستكشافية وأعمالهم منذ الفترة اليونانية حتى الوقت الحالي، فجاء معظم المصادر إن لم يكن جميعها مكتوبة بوساطة علماء الآثار والتاريخ القديم الأوروبيين والأمريكيين وبلغاتهم المختلفة سواء الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية (إبراهيم، ص 3).
وفي السابق، استندت دراسات هؤلاء الباحثين الغربيين لتاريخ فلسطين القديم على مصدر رئيسي هو التوراة، حيث كانت الدراسات التوراتية جزءًا من الخطاب الاستشراقي الغربي وامتدادًا له في نواح عديدة. ولم يحدث في أي وقت من الأوقات- كما يلاحظ كيث وايتلام- أن القارئ الفلسطيني أو أي قارئ غير غربي كان هو المقصود مخاطبته في هذا الخطاب (وايتلام، ص 358-359). وقد كان الهم الأول لأصحاب هذه الدراسات التركيز على البحث والتنقيب في المواقع التي تعود للعصر الحديدي بشكل خاص باعتبارها- كما هو مفترض- المرحلة المتعلقة بأحداث التوراة . أما العرب فلم يكن بينهم إلا قلة قليلة اهتمت بالآثار الفلسطينية، وبقيت دائرة الآثار الأردنية، التي تأسست عام 1923، تدار من قبل الانكليز حتى عام 1956. ولدى تأسيس الجامعة الأردنية عام 1962  أقيم قسم للتاريخ والآثار، ثم تأسس في عام 1984 معهد للآثار والانثروبولوجيا في جامعة اليرموك . أما في سورية، فقد تمّ  افتتاح مركز للآثار الفلسطينية عام 1982 في دمشق (إبراهيم، ص 14-15).
وحتى أواسط القرن العشرين، كان من السهل على الأكاديميين التوراتيين صياغة تفسيراتهم المتعسفة لنتائج التنقيب الأثري في فلسطين، وربطها بمجريات الرواية التوراتية، ولكن بعد تنقيبات عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون في مدينة القدس، خلال أواسط الستينيات من القرن العشرين، اتسعت حملات التنقيب بشكل محموم وخصوصًا في مناطق الهضاب الفلسطينية. وكلما كانت المعلومات تتراكم، صار يتبين للمؤرخين والآثاريين صعوبة ملاءمة هذه المعلومات مع الصورة المتوهَّمة عن تاريخ إسرائيل ويهودا، وتاريخ فلسطين بشكل عام. وتشكل في الغرب تيار أطلق عليه خصومه اسم تيار المراجعين أو الراديكاليين، انطلاقًا من موقفهم الراديكالي المتحرر من سطوة الفكر التوراتي (السواح، ص 12-13).
ومع أن المكتشفات الأثرية الجديدة في فلسطين، قد زادت من معرفة الباحثين حول مناطق وفترات معينة في فلسطين القديمة، إلا أن المعلومات التي يمكن أن تلتقط من هذه الدراسات "لا تزال تنقصها الدقة بالمقارنة مع المصادر المتوافرة لزملائنا دارسي تاريخ القرون الوسطى والحديثة. فالمؤرخ المتخصص في تاريخ فلسطين القديم ينبغي عليه أن يرضى بفهم "عام" للتاريخ " (وايتلام، ص 35). وأخيرًا، يواجه الباحث في تاريخ فلسطين القديم صعوبة الالتزام بالموضوعية، وخاصة لدى تطرقه إلى تاريخ مدينة القدس،  وهذه الصعوبة " من الأمور الطبيعية في حالة مدينة مقدسة لها مكانة القدس حيث تتلاقى مطالب أتباع ثلاث ديانات عالمية: المسيحية والإسلام واليهودية وتتصادم" (العسلي، ص 15).


* تاريخ فلسطين كموضوع قائم بذاته*


إن الخطاب المهيمن للدراسات  التوراتية متورط - كما يرى وايتلام- في عملية تجريد الفلسطينيين من ماضيهم وأرضهم بتكراره المستمر عددًا من الادّعاءات التي تربط الماضي بالحاضر. فالإصرار على الاستمرارية بين الماضي والحاضر "لا يُنظر إليه إلا في إطار الاستمرارية بين إسرائيل التي حكمها داود ودولة إسرائيل المعاصرة"، وفي إطار الزعم بأزلية الحركة الصهيونية التي لم تنطلق في الواقع، كحركة استعمارية استيطانية، إلا في أواخر القرن التاسع عشر. أما الشعب الفلسطيني فليس هناك أي مفهوم مماثل لأي استمرارية له بين الماضي والحاضر، حيث جرد الخطاب التوراتي المهيمن تعبير فلسطين من أهميته الزمانية والمكانية، وأصبح تاريخ فلسطين "أحد التواريخ الكثيرة المستثناة والمجردة من أهميتها في التاريخ العالمي، والتي تمّ نفيها إلى ما قبل التاريخ" (وايتلام، ص 125 وص 271).
بيدَ أن تصوّر تاريخ إسرائيل القديم، كما ورد في القسم الأكبر من التوراة العبرية، لا يعدو أن يكو " قصة خيالية"، وهو بمنزلة "اختلاق للتاريخ شأنه شأن معظم رؤى الماضي التي كوّنتها المجتمعات القديمة بل الحديثة أيضًا". فالتوراة العبرية ليست، في نظر الباحث ليتش، "مرجعًا" يعكس بالضرورة الحقائق التاريخية، وإنما هي "تبرير للماضي يكشف عن عالم القصص الخيالية أكثر مما يكشف عن أي حقيقة تاريخية". ويذهب ليتش إلى حد التشكيك في التصورات التقليدية لحكم كل من داود وسليمان، إذ  يكتب: "إنني  شخصيًا أجد هذه الأفكار غير قابلة للتصديق إلى حد بعيد. لا توجد أي آثار تدل على وجود هؤلاء الأبطال أو حدوث أي من الأحداث المرتبطة بهم" (وايتلام، ص 254). والواقع، فإن جميع المحاولات الاستكشافية في فلسطين والأردن وسورية لم تقدم أي دليل قاطع على أن ما ورد في التوراة كان حادثًا تاريخيًا، وهو ما كان " موضع خيبة أمل كبيرة للعلماء الذين ابتدأوا ينفصلون عن الحدث التوراتي لمصلحة الحدث المكتشف"، ولعل اكتشاف آثار "إيبلا" في تل مرديخ في سورية "كان فاصلًا في تحويل علماء الآثار نحو الموضوعية العلمية وتجاهل الهدف التقليدي السابق، وهو تأكيد الأحداث التوراتية" (البهنسي، ص 31).  ومع الإعلان عن موت "التاريخ التوراتي"، صار يتم الاعتراف بشكل تدريجي بالتاريخ الفلسطيني كموضوع قائم بذاته يهتم بالاقتصاد والسكان (الديموغرافيا) والاستيطان والأديان والأيديولوجيات الخاصة بفلسطين بشكل عام (وايتلام، ص 59 وص 76).
لكن أين يمكن تعيين موقع لتاريخ فلسطين القديم؟ إذا كان سيتسنى للتاريخ الفلسطيني أن يتحرر من طغيان خطاب الدراسات التوراتية، فمن الواجب - كما يعتبر وايتلام- أن يتحرر أولًا من القيود اللاهوتية التي هيمنت على تاريخ المنطقة، وأن يدرس كجزء من دراسة خطاب "الدراسات الحضارية" ، بحيث يتمثل التحدي الرئيسي أمام الدارسين في "إعادة اكتشاف التراث الحضاري والثقافي والفني لفلسطين القديمة، والذي نشهده من خلال النصوص المكتوبة وأشكال التراث الأخرى (ومنها التوراة العبرية)، والأواني الفخارية والمصنوعات اليدوية، والأبنية التذكارية، والآثار المادية، وهذه كلها تشهد على منجزات سكان فلسطين" (وايتلام، ص 359- 362).


* معاوية إبراهيم وتاريخ فلسطين قبل الألف الثاني قبل الميلاد*


تتركز معظم الدراسات والأبحاث العربية حول تاريخ فلسطين القديم على المرحلة التي يفترض، بحسب الدراسات التوراتية، انها شهدت ولادة مملكة إسرائيل وهي في حدود عام 1200 قبل الميلاد. أما الفترة التي سبقت هذه المرحلة فلم تتطرق لها سوى أبحاث قليلة جدًا، من أهمها  بحث معاوية إبراهيم، مدير معهد الآثار والانثروبولوجيا في جامعة اليرموك بالأردن، والحائز على دكتوراه في الآثار واللغات الشرقية القديمة من جامعة برلين الحرة عام 1970، الذي نشر بعنوان: "فلسطين: من أقدم العصور إلى القرن الرابع قبل الميلاد"، في: الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، الدراسات الخاصة، المجلد الثاني، بيروت، 1990، ص 1-138.
وسأعتمد فيما يتبع على هذا البحث بصورة رئيسية، والذي يدرس، بالاستناد "إلى خلاصة عمل كبير قام به عدد من المؤرخين والعلماء الأجلّاء عبر عشرات السنين الماضية" كما يقول كاتبه، المجموعات البشرية الأولى التي عاشت في فلسطين منذ أقدم الدهور حين كان الإنسان فيها بدائيًا يعتمد الجمع والالتقاط في معيشته، حتى العهد اليوناني أيام الاسكندر المقدوني حوالي 332 ق.م.
يبدأ معاوية إبراهيم بحثه من مرحلة العصور الحجرية القديمة، مرحلة التنقل وجمع القوت، التي شهدت قيام الإنسان بصنع أدواته من الحجارة، وهي المرحلة التي يصعب –كما يؤكد- وضع تاريخ دقيق لبدايتها. ثم يتطرق إلى المرحلة الانتقالية التي شهدت، حوالي 19000-8000 ق. م.، انتقال الإنسان من مرحلة جمع القوت إلى مرحلة الإنتاج، وعثر على مجموعة أدوات حجرية عائدة إلى هذه المرحلة في كهف "كبارا" في جبال الكرمل بفلسطين.
وبعد هذه المرحلة الانتقالية تبدأ مرحلة استقرار الإنسان في القرى الزراعية، في العصر الحجري الحديث حوالي 8000-4000 ق. م.. وفضلًا عن أريحا، تمثلت حضارة هذه المرحلة في موقع ثان هو وادي الفلاح على الساحل بالقرب من حيفا. ويبدو أن حياة الإنسان في فلسطين في هذه المرحلة لم تكن تختلف عنها في المرحلة السابقة، إذ عاش الإنسان صيادًا وجامعًا للقوت، وتكوّنت بقايا الحيوانات المصطادة التي عثر عليها من عظام الغزلان والماشية والخنازير والثعالب . كما تمّ العثور في مدينة أريحا على بذور الشعير والقمح والبازيلاء والعدس.  ويبدو أن الناس في هذه المرحلة كانوا يعبدون ويقدسون أسلافهم.
وفي نهاية هذه المرحلة، التي يطلق عليها معاوية إبراهيم اسم "مرحلة العصر الحجري الحديث المتأخر، الفخاري"، عرف الإنسان مادة الفخار وصار يستعملها في صنع أدواته اليومية، واعتمد  الناس في هذه المرحلة في معيشتهم على زراعة المحاصيل الزراعية وتربية الحيوانات المستأنسة، واستعمل الإنسان الحفر للسكن. أما  حضارة هذه المرحلة فقد  تركّزت في أريحا  وفي موقع المنحطة، وفي تل المتسلم (مجدو) وبيسان والشيخ علي وبلاطة وتل الفارعة وغيرها.
ثم عرف الإنسان في مرحلة لاحقة تصنيع النحاس، الذي صار يستعمل في البدء بكميات قليلة، إلى جانب الأدوات الحجرية والصوانية وكذلك الفخارية التي بقيت هي الغالبة في الاستعمال. وكان أول مواقع هذا العصر هو موقع تليلات غسول في وادي الأردن إلى الشمال الشرقي للبحر الميت، حيث تشير مخلفات الموقع إلى مجتمع من مجتمعات القرى الزراعية. وكشفت الحفريات عن مجموعات من البيوت المتجانسة المستطيلة الشكل مبنية من الحجارة والطوب الطيني، أما سقوفها فكانت من القصب والطين. وكان سكان تليلات الغسول يدفنون موتاهم، وبخاصة الأطفال، في جرار فخارية.
وتعتبر منطقة وادي الأردن من أكثر مناطق فلسطين كثافة في مواقع مجتمعات القرى الزراعية التي تعود إلى الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد. وتمتد غالبية المواقع حول مصادر المياه كالسيول والينابيع والأودية الممتدة بين بحيرة طبرية شمالًا والبحر الميت جنوبًا. وهناك ثلاثة مواقع هامة تقع بالقرب من بئر السبع وتتبع حضارة واحدة ضمن العصر الحجري النحاسي، وهي خربة البيطار وبئر الصفدي وتل أبو مطر.
وهذه المواقع متشابهة، وتقع ضمن فترة متأخرة من تليلات الغسول (النصف الثاني للألف الرابع ق. م.)، إلا أنها تنتظم معها في إطار حضاري واحد. وقد اعتمد الاقتصاد المحلي لهذه المواقع على زراعة القمح والشعير، وكذلك حياة الرعي والاستغلال الجزئي للنحاس فضلًا عن التجارة مع المناطق المجاورة. ووجدت لقى فخارية وصوانية في مواقع مختلفة في ضواحي يافا وتل أبيب مشابهة لحضارة غسول/بئر السبع، لكن سكان الساحل مارسوا عادات دفن مختلفة، حيث وجدت مدافن جماعية داخل توابيت أو صناديق من الصلصال المجفف على شكل بيوت.
ويعود عصر دويلات المدن، أو العصر البرونزي القديم إلى 3200-2000 ق. م.، وذلك بعد أن شهدت منطقة الشرق القديم ومنها فلسطين مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد تغيرًا حاسمًا في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والمعمارية. وأكثر ما يميز هذه المرحلة في فلسطين ظهور أعداد كبيرة من المدافن المقطوعة في الصخر تنسب لجماعات وضعت نهاية لحضارة العصر الحجري النحاسي . وتشير الدراسات المقارنة إلى وجود علاقات وطيدة بين فلسطين والمناطق المجاورة في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد. وقد ظهر الكثير من المكتشفات المتشابهة   (الفخارية والأختام الأسطوانية ورؤوس الهراوات الكمثرية الشكل) في كل من فلسطين ومصر. كما وجدت أقرب الأمثلة للفخار الفلسطيني من النوع الرمادي المصقول في أواسط الأناضول وشرقيه، وكذلك في مواقع الساحل السوري مثل طرطوس، وفي عدد من مواقع بلاد ما بين النهرين.
ويبدو أن سكان فلسطين أخذوا في تزايد مستمر، وأصبحوا يطوّرون في مواقعهم السكنية تدريجيًا حتى أصبحت مدنًا محصنة ذات طابع مستقل، وتحتوي كل واحدة منها معبدًا أو أكثر. ويلاحظ انتشار المدن المحصنة هذه في جميع المناطق الفلسطينية، وغدت تمثّل وحدات سياسية مستقلة أشبه بدويلات المدن التي يتبعها عدد من القرى الزراعية. وتتميز هذه المرحلة باستعمال عجلة الفخار على نطاق واسع، واهتدى سكان فلسطين خلالها إلى خلط النحاس بنسبة معينة من القصدير فأنتجوا أدوات برونزية متعددة الأشكال والوظائف.
ومع بداية الألف الثاني ق. م. بدأت المدن تتكاثر وتنتشر، وظهرت معها أنماط جديدة من العمارة والمدافن وأنواع جديدة من الخزف والأسلحة. وتتميز هذه المرحلة بعلاقات تجارية وسياسية متطورة مع غالبية مناطق الشرق القديم، وبشكل خاص مصر وعمق بلاد الشام. ومع هذه المرحلة أصبحت المصادر المكتوبة عامة والمصرية خاصة تسهم لأول مرة في كتابة تاريخ فلسطين وتاريخ بقية أجزاء بلاد الشام، علمًا بأن المصادر المكتوبة انتشرت في مصر وبلاد ما بين النهرين ومنها شمالي سوريا  إلى عشرات دويلات المدن مثل عسقلان وحاصور (تل القدح) وشكيم (تل بلاطة) وكذلك القدس.
ويمتد العصر البرونزي الأخير من منتصف القرن السادس عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر ق. م. ، ويتسم بالسيطرة المصرية شبه التامة على بلاد الشام، ومنها فلسطين.
ويستنتج من انتشار المدن والكهوف والحصون ازدهار الحياة الاقتصادية في فلسطين خلال معظم الألف الثاني قبل الميلاد، والذي يعزى إلى استغلال الأرض الزراعية وتطوير التجارة مع مصر والجزر الإيجية وبشكل خاص مع مدن شمالي سوريا. وغالبًا ما كان لكل دويلة أو لمجموعة دويلات أحيانًا حاكم يتبوأ المركز السياسي. وفضلًا عن فئات التجار والفلاحين، وجدت مجموعات من الحرفيين من أمثال البنائين وصانعي الطوب وصانعي الخزف، ومن الحرف الرئيسية صناعة الأسلحة المعدنية وخاصة البرونزية منها، وكانت العائلة تشكل أساسًا للعلاقات الاجتماعية.


* مصادر دراسة تاريخ فلسطين القديم*


لدراسة تاريخ فلسطين القديم اعتبارًا من الألف الثاني قبل الميلاد، تتوافر للباحث مجموعة من النقوش والنصوص، من أهمها:
-"رسائل تل العمارنة"، وهي  نصوص عثر عليها في مصر في عام  1887، حيث كان تل العمارنة موقعًا لقرية بدوية قائمة على خرائب مدينة فرعونية تسمى "أفق آتون" ، ويقع في مصر الوسطى على الضفة الشرقية لنهر النيل وعلى بعد حوالي 300 كم جنوب القاهرة.
وتعود هذه الرسائل، التي بلغ عددها 360 آجرة أو لوحة مسمارية، إلى القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد؛ وموضوعها مراسلات من ولاة الأقاليم والحكام إلى فراعنة مصر. وهذه الرسائل هي من أفضل المصادر الموثوق بها فيما يتعلق بالحياة السياسية والاجتماعية والدينية لتلك العهود الغابرة في المنطقة، التي تشمل اليوم سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، والعراق. وست من هذه الرسائل كتبها الملك "عبدي هيبا" ملك أوروسالم. ومن هذه الرسائل يمكن أن نستنتج أن فلسطين كانت مقسمة إلى ممالك مدن صغيرة . وورد أكثر من نصف هذه الرسائل من حكام المدن الفلسطينية، ومنها غزة وعسقلان ويافا وجت على الساحل، ومجدو (تل المتسلم) وتعنك وشمعون في مرج ابن عامر، وحاصور (تل القدح) وفحل (طبقة فحل) في وادي الأردن، وشكيم (تل بلاطة بالقرب من نابلس) والقدس، وعشتروت، ومدن الساحل الشمالي (عكا وأخشاف وصور...) (الحوت، ص 16؛ العسلي، ص 27- 28).
لقد كان الفراعنة المصريون يدفعون ملوك بلاد الشام وحكامهم للتصارع فيما بينهم والحيلولة دون وحدتهم وتحالفهم للإبقاء على مصالح الخزانة المصرية وما يردها من ضرائب ومنتجات زراعية وثروات طبيعية، ولاستغلالهم عسكريًا واستراتيجيًا للوقوف في وجه الأطماع الحثية والميتانية وشعوب البحر (إبراهيم، ص102- 103).
 "نصوص اللعنة"،  وهي مجموعة ألواح عثر عليها في عام 1925 في منطقة الأقصر في مصر، وتنسب عادة إلى فترة الأسرة الثانية عشرة، وبوجه أكثر تحديدًا إلى فترة حكم سيزو ستريس الثالث 1879-1842 (قبل الميلاد)، وفيها ذكرت أسماء البلدان والمدن والحكام الذين لعنوا بسبب نواياهم أو أفعالهم الشريرة، الحقيقية أو المحتملة، ضد مصر. وقد ظهر  اسم أورسالم  في مجموعة الألواح هذه (العسلي، ص 25-26).

*نبدأ في هذه الحلقة بنشر دراسة المؤرخ والمفكر الفلسطيني د. ماهر الشريف التي يتناول فيها تاريخ فلسطين على امتداد العصور

    الخطاب المهيمن للدراسات  التوراتية متورط في عملية تجريد الفلسطينيين من ماضيهم وأرضهم بتكراره المستمر عددًا من الادّعاءات التي تربط الماضي بالحاضر. فالإصرار على الاستمرارية بين الماضي والحاضر لا يُنظر إليه إلا في إطار الاستمرارية بين إسرائيل التي حكمها داود ودولة إسرائيل المعاصرة" وفي إطار الزعم بأزلية الحركة الصهيونية


    سكان فلسطين أخذوا في تزايد مستمر، وأصبحوا يطوّرون في مواقعهم السكنية تدريجيًا حتى أصبحت مدنًا محصنة ذات طابع مستقل. ويلاحظ انتشار المدن المحصنة هذه في جميع المناطق الفلسطينية، وغدت تمثّل وحدات سياسية مستقلة أشبه بدويلات المدن التي يتبعها عدد من القرى الزراعية. وتتميز هذه المرحلة باستعمال عجلة الفخار على نطاق واسع



يواجه الباحث صعوبات كبيرة في كتابة تاريخ فلسطين القديم وذلك لعدة أسباب. فقد سيطر التاريخ الحديث والمعاصر على حقول الدراسات التاريخية المتعلقة بفلسطين، واستحوذت شؤون النضال ضد الصهيونية، بعد نشوء هوية فلسطينية حديثة وبروز مطلب تقرير المصير، على اهتمام القسم الأكبر من المؤرخين العرب والفلسطينيين. وهكذا، ظل تاريخ فلسطين القديم حكرًا على الباحثين الغربيين، الذين اهتموا- كما يلاحظ معاوية إبراهيم- بدراسة تاريخ فلسطين من جميع النواحي الأثرية والاجتماعية واللغوية وغيرها، وتوالت رحلاتهم الاستكشافية وأعمالهم منذ الفترة اليونانية حتى الوقت الحالي، فجاء معظم المصادر إن لم يكن جميعها مكتوبة بوساطة علماء الآثار والتاريخ القديم الأوروبيين والأمريكيين وبلغاتهم المختلفة سواء الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية (إبراهيم، ص 3).
وفي السابق، استندت دراسات هؤلاء الباحثين الغربيين لتاريخ فلسطين القديم على مصدر رئيسي هو التوراة، حيث كانت الدراسات التوراتية جزءًا من الخطاب الاستشراقي الغربي وامتدادًا له في نواح عديدة. ولم يحدث في أي وقت من الأوقات- كما يلاحظ كيث وايتلام- أن القارئ الفلسطيني أو أي قارئ غير غربي كان هو المقصود مخاطبته في هذا الخطاب (وايتلام، ص 358-359). وقد كان الهم الأول لأصحاب هذه الدراسات التركيز على البحث والتنقيب في المواقع التي تعود للعصر الحديدي بشكل خاص باعتبارها- كما هو مفترض- المرحلة المتعلقة بأحداث التوراة . أما العرب فلم يكن بينهم إلا قلة قليلة اهتمت بالآثار الفلسطينية، وبقيت دائرة الآثار الأردنية، التي تأسست عام 1923، تدار من قبل الانكليز حتى عام 1956. ولدى تأسيس الجامعة الأردنية عام 1962  أقيم قسم للتاريخ والآثار، ثم تأسس في عام 1984 معهد للآثار والانثروبولوجيا في جامعة اليرموك . أما في سورية، فقد تمّ  افتتاح مركز للآثار الفلسطينية عام 1982 في دمشق (إبراهيم، ص 14-15).
وحتى أواسط القرن العشرين، كان من السهل على الأكاديميين التوراتيين صياغة تفسيراتهم المتعسفة لنتائج التنقيب الأثري في فلسطين، وربطها بمجريات الرواية التوراتية، ولكن بعد تنقيبات عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون في مدينة القدس، خلال أواسط الستينيات من القرن العشرين، اتسعت حملات التنقيب بشكل محموم وخصوصًا في مناطق الهضاب الفلسطينية. وكلما كانت المعلومات تتراكم، صار يتبين للمؤرخين والآثاريين صعوبة ملاءمة هذه المعلومات مع الصورة المتوهَّمة عن تاريخ إسرائيل ويهودا، وتاريخ فلسطين بشكل عام. وتشكل في الغرب تيار أطلق عليه خصومه اسم تيار المراجعين أو الراديكاليين، انطلاقًا من موقفهم الراديكالي المتحرر من سطوة الفكر التوراتي (السواح، ص 12-13).
ومع أن المكتشفات الأثرية الجديدة في فلسطين، قد زادت من معرفة الباحثين حول مناطق وفترات معينة في فلسطين القديمة، إلا أن المعلومات التي يمكن أن تلتقط من هذه الدراسات "لا تزال تنقصها الدقة بالمقارنة مع المصادر المتوافرة لزملائنا دارسي تاريخ القرون الوسطى والحديثة. فالمؤرخ المتخصص في تاريخ فلسطين القديم ينبغي عليه أن يرضى بفهم "عام" للتاريخ " (وايتلام، ص 35). وأخيرًا، يواجه الباحث في تاريخ فلسطين القديم صعوبة الالتزام بالموضوعية، وخاصة لدى تطرقه إلى تاريخ مدينة القدس،  وهذه الصعوبة " من الأمور الطبيعية في حالة مدينة مقدسة لها مكانة القدس حيث تتلاقى مطالب أتباع ثلاث ديانات عالمية: المسيحية والإسلام واليهودية وتتصادم" (العسلي، ص 15).


* تاريخ فلسطين كموضوع قائم بذاته*


إن الخطاب المهيمن للدراسات  التوراتية متورط - كما يرى وايتلام- في عملية تجريد الفلسطينيين من ماضيهم وأرضهم بتكراره المستمر عددًا من الادّعاءات التي تربط الماضي بالحاضر. فالإصرار على الاستمرارية بين الماضي والحاضر "لا يُنظر إليه إلا في إطار الاستمرارية بين إسرائيل التي حكمها داود ودولة إسرائيل المعاصرة"، وفي إطار الزعم بأزلية الحركة الصهيونية التي لم تنطلق في الواقع، كحركة استعمارية استيطانية، إلا في أواخر القرن التاسع عشر. أما الشعب الفلسطيني فليس هناك أي مفهوم مماثل لأي استمرارية له بين الماضي والحاضر، حيث جرد الخطاب التوراتي المهيمن تعبير فلسطين من أهميته الزمانية والمكانية، وأصبح تاريخ فلسطين "أحد التواريخ الكثيرة المستثناة والمجردة من أهميتها في التاريخ العالمي، والتي تمّ نفيها إلى ما قبل التاريخ" (وايتلام، ص 125 وص 271).
بيدَ أن تصوّر تاريخ إسرائيل القديم، كما ورد في القسم الأكبر من التوراة العبرية، لا يعدو أن يكو " قصة خيالية"، وهو بمنزلة "اختلاق للتاريخ شأنه شأن معظم رؤى الماضي التي كوّنتها المجتمعات القديمة بل الحديثة أيضًا". فالتوراة العبرية ليست، في نظر الباحث ليتش، "مرجعًا" يعكس بالضرورة الحقائق التاريخية، وإنما هي "تبرير للماضي يكشف عن عالم القصص الخيالية أكثر مما يكشف عن أي حقيقة تاريخية". ويذهب ليتش إلى حد التشكيك في التصورات التقليدية لحكم كل من داود وسليمان، إذ  يكتب: "إنني  شخصيًا أجد هذه الأفكار غير قابلة للتصديق إلى حد بعيد. لا توجد أي آثار تدل على وجود هؤلاء الأبطال أو حدوث أي من الأحداث المرتبطة بهم" (وايتلام، ص 254). والواقع، فإن جميع المحاولات الاستكشافية في فلسطين والأردن وسورية لم تقدم أي دليل قاطع على أن ما ورد في التوراة كان حادثًا تاريخيًا، وهو ما كان " موضع خيبة أمل كبيرة للعلماء الذين ابتدأوا ينفصلون عن الحدث التوراتي لمصلحة الحدث المكتشف"، ولعل اكتشاف آثار "إيبلا" في تل مرديخ في سورية "كان فاصلًا في تحويل علماء الآثار نحو الموضوعية العلمية وتجاهل الهدف التقليدي السابق، وهو تأكيد الأحداث التوراتية" (البهنسي، ص 31).  ومع الإعلان عن موت "التاريخ التوراتي"، صار يتم الاعتراف بشكل تدريجي بالتاريخ الفلسطيني كموضوع قائم بذاته يهتم بالاقتصاد والسكان (الديموغرافيا) والاستيطان والأديان والأيديولوجيات الخاصة بفلسطين بشكل عام (وايتلام، ص 59 وص 76).
لكن أين يمكن تعيين موقع لتاريخ فلسطين القديم؟ إذا كان سيتسنى للتاريخ الفلسطيني أن يتحرر من طغيان خطاب الدراسات التوراتية، فمن الواجب - كما يعتبر وايتلام- أن يتحرر أولًا من القيود اللاهوتية التي هيمنت على تاريخ المنطقة، وأن يدرس كجزء من دراسة خطاب "الدراسات الحضارية" ، بحيث يتمثل التحدي الرئيسي أمام الدارسين في "إعادة اكتشاف التراث الحضاري والثقافي والفني لفلسطين القديمة، والذي نشهده من خلال النصوص المكتوبة وأشكال التراث الأخرى (ومنها التوراة العبرية)، والأواني الفخارية والمصنوعات اليدوية، والأبنية التذكارية، والآثار المادية، وهذه كلها تشهد على منجزات سكان فلسطين" (وايتلام، ص 359- 362).


* معاوية إبراهيم وتاريخ فلسطين قبل الألف الثاني قبل الميلاد*


تتركز معظم الدراسات والأبحاث العربية حول تاريخ فلسطين القديم على المرحلة التي يفترض، بحسب الدراسات التوراتية، انها شهدت ولادة مملكة إسرائيل وهي في حدود عام 1200 قبل الميلاد. أما الفترة التي سبقت هذه المرحلة فلم تتطرق لها سوى أبحاث قليلة جدًا، من أهمها  بحث معاوية إبراهيم، مدير معهد الآثار والانثروبولوجيا في جامعة اليرموك بالأردن، والحائز على دكتوراه في الآثار واللغات الشرقية القديمة من جامعة برلين الحرة عام 1970، الذي نشر بعنوان: "فلسطين: من أقدم العصور إلى القرن الرابع قبل الميلاد"، في: الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، الدراسات الخاصة، المجلد الثاني، بيروت، 1990، ص 1-138.
وسأعتمد فيما يتبع على هذا البحث بصورة رئيسية، والذي يدرس، بالاستناد "إلى خلاصة عمل كبير قام به عدد من المؤرخين والعلماء الأجلّاء عبر عشرات السنين الماضية" كما يقول كاتبه، المجموعات البشرية الأولى التي عاشت في فلسطين منذ أقدم الدهور حين كان الإنسان فيها بدائيًا يعتمد الجمع والالتقاط في معيشته، حتى العهد اليوناني أيام الاسكندر المقدوني حوالي 332 ق.م.
يبدأ معاوية إبراهيم بحثه من مرحلة العصور الحجرية القديمة، مرحلة التنقل وجمع القوت، التي شهدت قيام الإنسان بصنع أدواته من الحجارة، وهي المرحلة التي يصعب –كما يؤكد- وضع تاريخ دقيق لبدايتها. ثم يتطرق إلى المرحلة الانتقالية التي شهدت، حوالي 19000-8000 ق. م.، انتقال الإنسان من مرحلة جمع القوت إلى مرحلة الإنتاج، وعثر على مجموعة أدوات حجرية عائدة إلى هذه المرحلة في كهف "كبارا" في جبال الكرمل بفلسطين.
وبعد هذه المرحلة الانتقالية تبدأ مرحلة استقرار الإنسان في القرى الزراعية، في العصر الحجري الحديث حوالي 8000-4000 ق. م.. وفضلًا عن أريحا، تمثلت حضارة هذه المرحلة في موقع ثان هو وادي الفلاح على الساحل بالقرب من حيفا. ويبدو أن حياة الإنسان في فلسطين في هذه المرحلة لم تكن تختلف عنها في المرحلة السابقة، إذ عاش الإنسان صيادًا وجامعًا للقوت، وتكوّنت بقايا الحيوانات المصطادة التي عثر عليها من عظام الغزلان والماشية والخنازير والثعالب . كما تمّ العثور في مدينة أريحا على بذور الشعير والقمح والبازيلاء والعدس.  ويبدو أن الناس في هذه المرحلة كانوا يعبدون ويقدسون أسلافهم.
وفي نهاية هذه المرحلة، التي يطلق عليها معاوية إبراهيم اسم "مرحلة العصر الحجري الحديث المتأخر، الفخاري"، عرف الإنسان مادة الفخار وصار يستعملها في صنع أدواته اليومية، واعتمد  الناس في هذه المرحلة في معيشتهم على زراعة المحاصيل الزراعية وتربية الحيوانات المستأنسة، واستعمل الإنسان الحفر للسكن. أما  حضارة هذه المرحلة فقد  تركّزت في أريحا  وفي موقع المنحطة، وفي تل المتسلم (مجدو) وبيسان والشيخ علي وبلاطة وتل الفارعة وغيرها.
ثم عرف الإنسان في مرحلة لاحقة تصنيع النحاس، الذي صار يستعمل في البدء بكميات قليلة، إلى جانب الأدوات الحجرية والصوانية وكذلك الفخارية التي بقيت هي الغالبة في الاستعمال. وكان أول مواقع هذا العصر هو موقع تليلات غسول في وادي الأردن إلى الشمال الشرقي للبحر الميت، حيث تشير مخلفات الموقع إلى مجتمع من مجتمعات القرى الزراعية. وكشفت الحفريات عن مجموعات من البيوت المتجانسة المستطيلة الشكل مبنية من الحجارة والطوب الطيني، أما سقوفها فكانت من القصب والطين. وكان سكان تليلات الغسول يدفنون موتاهم، وبخاصة الأطفال، في جرار فخارية.
وتعتبر منطقة وادي الأردن من أكثر مناطق فلسطين كثافة في مواقع مجتمعات القرى الزراعية التي تعود إلى الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد. وتمتد غالبية المواقع حول مصادر المياه كالسيول والينابيع والأودية الممتدة بين بحيرة طبرية شمالًا والبحر الميت جنوبًا. وهناك ثلاثة مواقع هامة تقع بالقرب من بئر السبع وتتبع حضارة واحدة ضمن العصر الحجري النحاسي، وهي خربة البيطار وبئر الصفدي وتل أبو مطر.
وهذه المواقع متشابهة، وتقع ضمن فترة متأخرة من تليلات الغسول (النصف الثاني للألف الرابع ق. م.)، إلا أنها تنتظم معها في إطار حضاري واحد. وقد اعتمد الاقتصاد المحلي لهذه المواقع على زراعة القمح والشعير، وكذلك حياة الرعي والاستغلال الجزئي للنحاس فضلًا عن التجارة مع المناطق المجاورة. ووجدت لقى فخارية وصوانية في مواقع مختلفة في ضواحي يافا وتل أبيب مشابهة لحضارة غسول/بئر السبع، لكن سكان الساحل مارسوا عادات دفن مختلفة، حيث وجدت مدافن جماعية داخل توابيت أو صناديق من الصلصال المجفف على شكل بيوت.
ويعود عصر دويلات المدن، أو العصر البرونزي القديم إلى 3200-2000 ق. م.، وذلك بعد أن شهدت منطقة الشرق القديم ومنها فلسطين مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد تغيرًا حاسمًا في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والمعمارية. وأكثر ما يميز هذه المرحلة في فلسطين ظهور أعداد كبيرة من المدافن المقطوعة في الصخر تنسب لجماعات وضعت نهاية لحضارة العصر الحجري النحاسي . وتشير الدراسات المقارنة إلى وجود علاقات وطيدة بين فلسطين والمناطق المجاورة في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد. وقد ظهر الكثير من المكتشفات المتشابهة   (الفخارية والأختام الأسطوانية ورؤوس الهراوات الكمثرية الشكل) في كل من فلسطين ومصر. كما وجدت أقرب الأمثلة للفخار الفلسطيني من النوع الرمادي المصقول في أواسط الأناضول وشرقيه، وكذلك في مواقع الساحل السوري مثل طرطوس، وفي عدد من مواقع بلاد ما بين النهرين.
ويبدو أن سكان فلسطين أخذوا في تزايد مستمر، وأصبحوا يطوّرون في مواقعهم السكنية تدريجيًا حتى أصبحت مدنًا محصنة ذات طابع مستقل، وتحتوي كل واحدة منها معبدًا أو أكثر. ويلاحظ انتشار المدن المحصنة هذه في جميع المناطق الفلسطينية، وغدت تمثّل وحدات سياسية مستقلة أشبه بدويلات المدن التي يتبعها عدد من القرى الزراعية. وتتميز هذه المرحلة باستعمال عجلة الفخار على نطاق واسع، واهتدى سكان فلسطين خلالها إلى خلط النحاس بنسبة معينة من القصدير فأنتجوا أدوات برونزية متعددة الأشكال والوظائف.
ومع بداية الألف الثاني ق. م. بدأت المدن تتكاثر وتنتشر، وظهرت معها أنماط جديدة من العمارة والمدافن وأنواع جديدة من الخزف والأسلحة. وتتميز هذه المرحلة بعلاقات تجارية وسياسية متطورة مع غالبية مناطق الشرق القديم، وبشكل خاص مصر وعمق بلاد الشام. ومع هذه المرحلة أصبحت المصادر المكتوبة عامة والمصرية خاصة تسهم لأول مرة في كتابة تاريخ فلسطين وتاريخ بقية أجزاء بلاد الشام، علمًا بأن المصادر المكتوبة انتشرت في مصر وبلاد ما بين النهرين ومنها شمالي سوريا  إلى عشرات دويلات المدن مثل عسقلان وحاصور (تل القدح) وشكيم (تل بلاطة) وكذلك القدس.
ويمتد العصر البرونزي الأخير من منتصف القرن السادس عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر ق. م. ، ويتسم بالسيطرة المصرية شبه التامة على بلاد الشام، ومنها فلسطين.
ويستنتج من انتشار المدن والكهوف والحصون ازدهار الحياة الاقتصادية في فلسطين خلال معظم الألف الثاني قبل الميلاد، والذي يعزى إلى استغلال الأرض الزراعية وتطوير التجارة مع مصر والجزر الإيجية وبشكل خاص مع مدن شمالي سوريا. وغالبًا ما كان لكل دويلة أو لمجموعة دويلات أحيانًا حاكم يتبوأ المركز السياسي. وفضلًا عن فئات التجار والفلاحين، وجدت مجموعات من الحرفيين من أمثال البنائين وصانعي الطوب وصانعي الخزف، ومن الحرف الرئيسية صناعة الأسلحة المعدنية وخاصة البرونزية منها، وكانت العائلة تشكل أساسًا للعلاقات الاجتماعية.


* مصادر دراسة تاريخ فلسطين القديم*


لدراسة تاريخ فلسطين القديم اعتبارًا من الألف الثاني قبل الميلاد، تتوافر للباحث مجموعة من النقوش والنصوص، من أهمها:
-"رسائل تل العمارنة"، وهي  نصوص عثر عليها في مصر في عام  1887، حيث كان تل العمارنة موقعًا لقرية بدوية قائمة على خرائب مدينة فرعونية تسمى "أفق آتون" ، ويقع في مصر الوسطى على الضفة الشرقية لنهر النيل وعلى بعد حوالي 300 كم جنوب القاهرة.
وتعود هذه الرسائل، التي بلغ عددها 360 آجرة أو لوحة مسمارية، إلى القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد؛ وموضوعها مراسلات من ولاة الأقاليم والحكام إلى فراعنة مصر. وهذه الرسائل هي من أفضل المصادر الموثوق بها فيما يتعلق بالحياة السياسية والاجتماعية والدينية لتلك العهود الغابرة في المنطقة، التي تشمل اليوم سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، والعراق. وست من هذه الرسائل كتبها الملك "عبدي هيبا" ملك أوروسالم. ومن هذه الرسائل يمكن أن نستنتج أن فلسطين كانت مقسمة إلى ممالك مدن صغيرة . وورد أكثر من نصف هذه الرسائل من حكام المدن الفلسطينية، ومنها غزة وعسقلان ويافا وجت على الساحل، ومجدو (تل المتسلم) وتعنك وشمعون في مرج ابن عامر، وحاصور (تل القدح) وفحل (طبقة فحل) في وادي الأردن، وشكيم (تل بلاطة بالقرب من نابلس) والقدس، وعشتروت، ومدن الساحل الشمالي (عكا وأخشاف وصور...) (الحوت، ص 16؛ العسلي، ص 27- 28).
لقد كان الفراعنة المصريون يدفعون ملوك بلاد الشام وحكامهم للتصارع فيما بينهم والحيلولة دون وحدتهم وتحالفهم للإبقاء على مصالح الخزانة المصرية وما يردها من ضرائب ومنتجات زراعية وثروات طبيعية، ولاستغلالهم عسكريًا واستراتيجيًا للوقوف في وجه الأطماع الحثية والميتانية وشعوب البحر (إبراهيم، ص102- 103).
 "نصوص اللعنة"،  وهي مجموعة ألواح عثر عليها في عام 1925 في منطقة الأقصر في مصر، وتنسب عادة إلى فترة الأسرة الثانية عشرة، وبوجه أكثر تحديدًا إلى فترة حكم سيزو ستريس الثالث 1879-1842 (قبل الميلاد)، وفيها ذكرت أسماء البلدان والمدن والحكام الذين لعنوا بسبب نواياهم أو أفعالهم الشريرة، الحقيقية أو المحتملة، ضد مصر. وقد ظهر  اسم أورسالم  في مجموعة الألواح هذه (العسلي، ص 25-26).

 

جميع الحقوق محفوظة © للمنتدى الفلسطيني 2000 - 2014